أحمد بن محمد ابن عربشاه

475

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة ، وثبتت هي في القلعة حافظة لها متحررة مع أنها شرذمة قليلة وطائفة ذليلة ، لا خير عندهم ولا مير « 1 » ولا فائدة سوى الضرر والضير ، ولا للقتال عليها سبيل ، ولا حواليها مبيت ولا مقيل ، بل هي مطلة على المقاتلة مستمكنة على المقاتلة ، فأبى تيمور أن يجاوزها دون أن يجاورها بالحصار ويناجزها ، واللبيب العاقل لا يترك وراءه لخصمه معاقل ، فجعلت المقاتلة تناوشها من بعيد ، ويصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد كما يريد ، وكان كل يوم يقتل من عسكره ما لا يحصى ، والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصاء ، وهو يأبى الرحيل عنها إلا أن يصل إلى غرضه منها ، ففي بعض أيام المحاصرة مطروا ، وبواسطة المطر انحصروا ، وصار يحثهم على القتال ، ثم ركب لينظر ما ذا يصنعون في تلك الحال ، فلم يرتض أفعالهم لما عكست أوحالهم أحوالهم ، فدعا رؤوس الأمراء وزعماء العساكر والكبراء ، وأخذ يمزق أديم عصمتهم بشفار « 2 » شتمه ، ويشقق ستر حرمتهم بمخاليب لعنه وذمه ، ونفخ الشيطان في خيشومه وألهب فيه نار غضبه وشومه . وقال : يا لئام وأكلة الحرام ، تتقلبون في نعمائي وتتوانون عن أعدائي ، جعل الله نعمتي عليكم وبالا ، وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالا ، يا نابذى الذمم وكافرى النّعم وساقطى الهمم ومستوجبى النقم ، ألم تطئوا أعناق الملوك بأقدام إقدامي ، ألم تطيروا إلى الآفاق بأجنحة إحسانى وإكرامي ، ألم تفتحوا مغلقات الفتوح بحسام صولتى ، أما سرّحتم في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي ، بي ملكتم مشارق الأرض ومغاربها ، وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها : ألم أك نارا يصطليها عدوّكم * وحرزا لما ألجئتم من ورائيا وباسط خيرى فيكم بيمينيا * وقابض شرّ عنكم بشماليا

--> ( 1 ) العون والمساعدة . ( 2 ) الشفار : حد السيف ، أي قطعه بشتمته .